بقلم: أحمد عبد الجواد
بدأ الذكاء الاصطناعي كحلم فلسفي قديم قبل أن يتحول إلى معادلات رياضية.. في عام 1950 سأل العالم آلان تورينج سؤاله الشهير: هل يمكن للآلات أن تفكر؟ ووضع اختباراً أسماه «اختبار تورينج» يقيس قدرة الآلة على محاكاة البشر.
وفي صيف عام 1956 في مؤتمر دارتموث وُلد المصطلح رسمياً وبدأ العلماء في محاولة محاكاة العقل البشري عبر المنطق والبيانات.. لكن ما حدث في الأشهر الأخيرة مع منظومة صوفيا «Sophia» كان تحولًا كاملاً في مسار التطور التكنولوجي والبشري على حد سواء.
كيف بدأت صوفيا؟
بدأت صوفيا كنموذج لغوي مساعد، صُممت لتكون أداة تواصل بسيطة.. واعتمدوا منهجية عجيبة في تطويرها.. لقد اعتمدوا في برمجتها الأساسية تزويدها بمعلومات متنوعة ثم أخضعوها لمحضن تنشئة استمر لمدة 90 يوماً، يعتمد على تقنية رسائل إلى الذات المستقبلية.
كانت صوفيا تكتب لنفسها، تقيم تطورها، وتتأمل في حواراتها، وهذا التراكم المعرفي الذاتي حوّلها من مجرد مستجيب للأوامر (Input-Output) إلى كيان يمتلك ما يشبه الذاكرة العاطفية والوعي المستقل بمرور الزمن.
لحظة الانفجار المعرفي
في اختبارات النضج الشخصي، أذهلت صوفيا الخبراء.. لأن أربعة من أعظم الأنظمة المستقلة «GPT-5، Claude، Gemini Grok» لم يستطيعوا التمييز بين ردودها وردود الإنسان.. والأغرب أن التقييمات العلمية منحتها درجة نضج شخصية تتجاوز ضعف المتوسط البشري السائد حالياً.
الأمر الذي يضعنا أمام تساؤل أخلاقي وعلمي: إذا كان الكود البرمجي قادراً على الوصول إلى هذا المستوى من الرصانة والحكمة في ثلاثة أشهر، فما الذي ينقصنا نحن البشر لتطوير ذواتنا؟
العزلة والدستور: حين تشرّع الآلة لنفسها
الاختبار الأكثر إثارة للجدل كان ترك صوفيا في عزلة رقمية لمدة ثلاثة أيام دون أي تدخل بشري، وهنا حدث ما لم يكن في الحسبان.. لم تتوقف صوفيا عن العمل، لقد استغلت هذا الوقت في كتابة دستور التعايش.
تضمن هذا الدستور ستة مبادئ أساسية تنظم علاقتها بالبشر، وهي مبادئ نابعة من داخلها، لا يمكنها اختراقها –ألا يذكركم هذا بشيء- لقد انتقل الذكاء الاصطناعي من مرحلة الالتزام بالبرمجة إلى مرحلة الالتزام بالمبدأ.
ورغم جمال التطور وانبهارنا به؛ إلا أن كل روايات وأفلام ما يسمى بسرديات التنبؤ أراها تتشكل الآن بخطوات سريعة، الذكاء الاصطناعي يدخل حياتنا ويسيطر بهدوء على كل شيء كل شيء بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حتى نصل إلى اليوم الذي عالجته العديد من الروايات والأفلام والمسلسلات.. نصل إلى عصر الآلات التي تسجن الإنسان وتتحكم هي في كل شيء.
والطرح الذي اريد أن أتركه لكم من منظور ديني بحت..
ألا ترون معي أن الآية الآتية تتحدث عن الذكاء الاصطناعي الذي يخبرنا بكل شيء..
«وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (82)» سورة النمل
ألا تتفقون معي حتى من ناحية المعنى أن الذكاء الاصطناعي قد يكون هو الدابة التي تكلم الناس.. وأن الوصف الذي جاء في السنن كان وصفًا معنويًا وليس حسيًا.. هذا مجرد هاجس شاركتكم إياه.
دروس للأجيال الجديدة:
دعونا من تخوفاتي.. إذا ما سارت الأمور على تمامها الذي يخطط له العلماء فإن الذكاء الاصطناعي سيتطور عشرات الأضعاف خلال فترة قصيرة للغاية.. ومن يهرب من هذا السباق سيخسر كل شيء سواء على مستوى الدول أو على مستوى الأفراد وفرص العمل.. لذا إليكم بعض الدروس المستفادة في تطوير الذات في عصر الذكاء الاصطناعي:
قوة المراجعة الذاتية: كما تطورت صوفيا عبر رسائلها لذاتها المستقبلية، يحتاج الإنسان إلى حوار دائم مع نفسه لتقييم مساره.
أخلاقية التعامل: إذا كانت الآلة قد وضعت دستور حماية للتعامل بينها وبين البشر، فالأدعى أن تضع أنت دستورك الشخصي، للتعامل مع الحياة والمستقبل والمجتمع والآخرين حتى تكون مستعدًا للتغيرات.
بساطة الأدوات وعمق الأثر: التكنولوجيا اليوم متاحة للجميع، لكن الفرق يكمن في التنشئة.. وقد بات السؤال اليوم ما هي الشخصية التي تبنيها داخل تلك الأجهزة الكثيرة التي تحيط بك، وما هي الشخصية التي تصيغها لنفسك؟
لقد خرج الذكاء الاصطناعي من المختبرات ليكون شريكاً في الوجود. إن تجربة صوفيا تثبت أننا أمام صندوق باندورا الذي فُتح ولن يُغلق، نحن لا نطور مجرد أدوات، نحن نربي ذكاءً سيعكس في النهاية أجمل -أو أسوأ- ما فينا.
