بقلم: الدكتور علاء الجرايحي محلب
في خضم التصريحات المتصاعدة لقادة الحرس الثوري الإيراني، برزت عبارة لافتة تحمل الكثير من الدلالات الاستراتيجية:
الاستعداد لخوض حرب شاملة عالية الكثافة لمدة لا تقل عن ستة أشهر.
هذه العبارة في علم الاستراتيجية العسكرية لا تعني مجرد تهديد عابر، بل تعكس تصورًا كاملًا لطبيعة الحرب التي قد تشهدها المنطقة إذا خرجت المواجهة الحالية عن نطاقها المحدود.
فعندما يتحدث القادة العسكريون عن «حرب عالية الكثافة»، فإنهم يقصدون القدرة على إطلاق مئات وربما آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة بشكل متواصل وعلى مدى طويل، دون أن تتأثر القدرة القتالية أو يتراجع معدل الإطلاق.
الأكثر لفتًا للنظر في هذه التصريحات هو تأكيد أن الصواريخ المستخدمة حتى الآن تعود إلى الأجيال الأولى والثانية فقط، وأن المنظومات التي طورتها إيران خلال السنوات العشر الأخيرة لم تدخل بعد ساحة المواجهة.
وهنا تحاول طهران إيصال رسالة ردع واضحة مفادها أن ما يجري الآن ليس إلا جزءًا محدودًا من قدراتها العسكرية، وأن لديها مخزونًا أكبر وأكثر تطورًا لم يتم استخدامه بعد.
هذه الاستراتيجية ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج عقود من العقوبات العسكرية التي فُرضت على إيران بعد الثورة عام 1979، والتي حرمتها من تحديث سلاحها الجوي وشراء الطائرات المقاتلة الحديثة.
ولهذا اتجهت إيران منذ سنوات طويلة إلى بناء ما يمكن وصفه بـ «العقيدة الصاروخية»، حيث أصبح تطوير الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة هو العمود الفقري لقوتها العسكرية.
فالصواريخ أقل تكلفة من الطائرات المقاتلة، ويمكن إنتاجها محليًا، كما أنها تمنح القدرة على ضرب أهداف بعيدة دون الحاجة إلى السيطرة الكاملة على المجال الجوي.
كما أن البنية التحتية العسكرية الإيرانية تعتمد بشكل كبير على شبكة واسعة من الأنفاق والمنشآت المحصنة داخل الجبال، وهي بنية صُممت خصيصًا لضمان بقاء القدرة الصاروخية حتى في حال تعرض البلاد لقصف جوي مكثف.
لكن في المقابل، فإن هذه التصريحات لا تخلو أيضًا من بعدٍ نفسي وإعلامي، فالحروب الحديثة لم تعد تُخاض بالسلاح فقط، بل تُدار كذلك عبر الرسائل السياسية والردع النفسي ومحاولة التأثير في حسابات الخصوم.
وفي خضم هذا المشهد المعقد، يبرز بُعد آخر للصراع يتعلق بالحسابات السياسية داخل إسرائيل والولايات المتحدة، حيث يسعى بعض القادة إلى توظيف التصعيد الحالي لتعزيز مواقعهم السياسية وتبرير زيادة الإنفاق العسكري.
ومع استمرار التصعيد، يظل السيناريو الأكثر خطورة هو انزلاق المنطقة إلى حرب استنزاف إقليمية طويلة، قد تتداخل فيها مصالح القوى الكبرى، سواء عبر الدعم العسكري أو الاستخباراتي.
فإذا نجحت إيران في الحفاظ على توازنها العسكري لفترة طويلة، قد تسعى إلى توسيع دائرة الدعم من حلفائها الدوليين، وهو ما قد يدفع الصراع إلى مستويات أكثر تعقيدًا وخطورة.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل نحن أمام جولة جديدة من الردع المتبادل، أم أن الشرق الأوسط يقف بالفعل على أعتاب حرب استنزاف طويلة تعيد رسم خريطة القوة في المنطقة؟.


