الدكتور علاء الجرايحي محلب يكتب: إيران وإسرائيل.. نيران التصعيد وأفق الدبلوماسية
في ظل التصاعد المستمر للتوترات في الشرق الأوسط، تبرز الحرب غير المعلنة بين إيران وإسرائيل، بوصفها أحد أخطر التحديات التي تهدد الاستقرار الإقليمي والدولي، ومع كل ضربة توجهها إيران أو تتلقاها من إسرائيل، تتجدد الأسئلة حول حدود هذه الحرب، وأهدافها، والسيناريوهات المتوقعة في ظل شبكة معقدة من التحالفات والصراعات.
هل استهانت إسرائيل بقوة إيران؟
لأعوام طويلة، اعتمدت إسرائيل على استراتيجية الضربات الدقيقة ضد العمق الإيراني أو ضد أذرع طهران في المنطقة، انطلاقًا من فرضية أن «إيران» لن ترد عسكريًا بشكل مباشر؛ بل ستكتفي بالتصعيد عبر وكلائها في لبنان أو سوريا أو اليمن.
لكن هذا الرهان ثبت أنه لم يعد دقيقًا.. الرد الإيراني المباشر على إسرائيل في أبريل 2024 عبر طائرات مسيّرة وصواريخ كان نقطة تحوّل فارقة في قواعد الاشتباك، وأثبت أن «إيران» رغم أزماتها الداخلية، أصبحت أكثر استعدادًا للمخاطرة العسكرية من أجل حماية نفوذها وهيبتها الإقليمية.
بالطبع هذا لا يعني أن إسرائيل استهانت بإيران.. بل إنها أساءت تقدير عتبة الرد الإيراني، وظنّت أن طهران ستظل حبيسة ردود الفعل الدبلوماسية أو الحرب بالوكالة، ويبدو أن الحسابات الإسرائيلية لم تعد تأخذ بعين الاعتبار التحولات داخل النظام الإيراني، ودرجة الضغط الشعبي والدولي عليه، والتي تدفعه أحيانًا إلى التصعيد كوسيلة للبقاء.
التهديد باغتيال خامنئي: استعراض أم حقيقة استخباراتية؟
التصريحات الإسرائيلية – سواء الصادرة عن مسؤولين عسكريين أو حتى عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، والتي ألمحت إلى إمكانية استهداف المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، أثارت جدلاً واسعًا.. فهل هذه مجرد حرب نفسية؟ أم أن إسرائيل وصلت فعلاً إلى مستويات عليا من الاختراق داخل طهران؟
العمليات التي نفّذها الموساد خلال السنوات الأخيرة، مثل اغتيال العالم النووي محسن فخري زادة وتفجيرات منشآت نطنز، إضافة إلى تسريبات دقيقة حول اجتماعات عسكرية داخلية، تشير بوضوح إلى أن الاستخبارات الإسرائيلية نجحت في اختراقات استراتيجية داخل مؤسسات إيرانية حساسة.
هذا المستوى من الاختراق يعكس قدرة إسرائيل على تهديد حتى كبار قادة النظام، لكنه في الوقت نفسه لا يعني أن تل أبيب قادرة – أو مستعدة – فعليًا لتنفيذ عملية من هذا النوع، لأن اغتيال شخصية بحجم خامنئي سيكون إعلانًا لحرب شاملة تتجاوز حدود إسرائيل، وتستدعي ردودًا غير تقليدية قد تشمل ضرب قواعد أمريكية أو استهداف الخليج.
الداخل الفلسطيني والخارطة المتغيرة
لا يمكن فصل الحرب بين إيران وإسرائيل عن الداخل الفلسطيني، إذ تشير معطيات متعددة إلى وجود حراك فلسطيني متجدد يسعى لاستثمار حالة التصعيد في المنطقة، وقد يكون هذا أحد أهداف طهران غير المعلنة، منها فتح جبهات متعددة ضد إسرائيل، سواء عبر المقاومة في غزة أو تحريك الداخل الفلسطيني؛ بهدف إنهاك تل أبيب وتوسيع رقعة المواجهة.
الاقتصاد والدبلوماسية.. مفاتيح الحل أو أسباب الانفجار؟
في المقابل، تعيش إيران ضغوطًا اقتصادية خانقة؛ نتيجة العقوبات والعزلة الدولية، مما يدفعها أحيانًا لتصدير أزماتها نحو الخارج عبر التصعيد العسكري والإعلامي، كما تواجه إسرائيل تحديات داخلية أمنية وسياسية، تضعف من قدرتها على الدخول في حرب مفتوحة طويلة.
لكن تظل الدبلوماسية الدولية هي الورقة الأخيرة التي يمكن أن توقف الانزلاق نحو الكارثة.. فالدول الكبرى، رغم تضارب مصالحها، لا تزال تملك القدرة – وربما الرغبة – في كبح جماح هذه المواجهة، ولو من منطلقات براغماتية تتعلق باستقرار أسواق الطاقة ومنع اشتعال حرب إقليمية قد تكون مقدمة لصراع عالمي جديد.
وفي النهاية لنا كلمة: الشرق الأوسط على حافة الهاوية
ما بين حسابات الردع وأوهام السيطرة، تبدو المنطقة وكأنها تقف على حافة هاوية استراتيجية.
فإيران تسعى لتثبيت حضورها بالقوة، وإسرائيل تسابق الزمن لمنع طهران من تحقيق تفوق نوعي، أما المواطن العربي، فهو الحلقة الأضعف في معادلة لا ترحم.
فهل تقود هذه المواجهة إلى إعادة تشكيل المنطقة؟ أم أن الجنون العسكري سيتراجع أمام براغماتية السياسة الدولية؟.
الإجابة لا تزال قيد التشكل.. والشرق الأوسط لا يزال يترقب.


