لا أحد يتوقّع واقعه كما هو.. فالحياة لا تُدار بخطوط مستقيمة، بل بمنحنيات مفاجئة، ومسارات تتغيّر دون سابق إنذار، طرقٌ تنتهي وأخرى تتوقّف عند منتصفها، بينما تستمر عجلة الزمان في الدوران، غير عابئة بتوقّعاتنا أو حساباتنا.. فلا سواد يدوم، ولا ظلمة أبدية، كما لا يوجد رخاء دائم.
تمتلئ الحياة بالأحداث لا لتثقل كاهلنا فحسب، بل لتعيد ترتيب رؤيتنا للعالم، وكأن الأبصار تُصحَّح من حينٍ لآخر، لنرى ما حولنا بوعيٍ جديد، ونكتشف حقائق كانت حاضرة أمامنا لكننا لم ننتبه إليها.
الغريب في الإنسان أنه يتعامل مع اللحظة المحدودة وكأنها قدر نهائي، يرى الألم نهاية ويرى الخسارة فشلًا كاملًا، ويظن أن ما فقده لن يُعوّض، ثم تمضي الأيام، ويكتشف متأخرًا أن ما حسبه نهاية الطريق لم يكن سوى منعطف، وأن السقوط الذي أوجعه لم يكن إلا إعادة توجيه لمسارٍ آخر، ربما كان أكثر أمانًا، أو أصدق مع ذاته.
كثيرًا ما نعتقد أن الأبواب أُغلقت إلى الأبد، وأن السدود ارتفعت بلا أمل، لكن الزمن في هدوئه العجيب يفعل ما لا نستطيع فعله بالقوة.
تمرّ الأيام، فتُزال السدود دون تدخلٍ منا، وتذوب العوائق كما يذوب الملح في الماء.. فالزمن ليس عدوًا، بل أداة من أدوات التدبير الإلهي، يحمل في طيّاته التيسير كما يحمل الاختبار.
جميعنا ذقنا طعم القسوة، وسلكنا طرقًا لم نخترها، وتألمنا حتى خُيّل إلينا أن الحياة فقدت معناها، غير أن هذا الإحساس على شدّته، ليس حقيقة مطلقة.. بل حالة عابرة، تشبه الليل حين يظن أن الفجر لن يأتي.
وما من تفسير منطقي لذلك التماسك الخفي الذي يمنع الإنسان من الانهيار الكامل، سوى أن هناك ربًا لم يتركنا حين ابتعدنا، ولم يُعرض عنّا حين أخطأنا الطريق، وكان حاضرًا حتى ونحن نبحث عن الخلاص في أيدي البشر الضعيفة.
نحن بطبيعتنا نتعلّق بالأشياء، ونتشبّث بالأشخاص، ونمنح الرغبات حجمًا أكبر من حجمها الحقيقي، ثم نغضب حين تأتي إرادة الله على غير ما اشتهت أنفسنا. نغضب لأننا في لحظة ضعف ننسى أن علمنا محدود، وأن الحكمة الإلهية لا تُقاس بعجلة اللحظة.
فالخيرة ليست دائمًا فيما نريده بإلحاح، بل كثيرًا ما تكون فيما يختاره الله لنا بصمت، فالله لا يحرم عبثًا، ولا يمنع قسوة، وإنما يحجب ليحمي، ويؤخّر ليُنقذ، ويمنع ليعطي على نحوٍ أعمق.
نحسب الحرمان خسارة، وما هو إلا لطفٌ متنكّر، ونرى المنع جفاء، وما هو إلا عين الرحمة تعمل من وراء الستار.. وهكذا، نكتشف مع مرور الوقت أن الله لم يكن ضدّنا في أي لحظة، بل كان يصوّب الطريق حين كنّا نظنّه قد انكسر، ويعيد تشكيل الحياة من حيث لم نكن نتوقع.


