بقلم: الدكتور علاء الجرايحي محلب
لم تكن الأزمة التي عاشتها مصر قبل ثورة 30 يونيو مجرد تعثرات عابرة، بل كانت حالة تآكل ممتدة أصابت بنية الدولة في العمق.
سنوات من التراجع في البنية التحتية، وتراجع الخدمات، وتضخم الفساد، جعلت الدولة أقرب إلى نقطة حرجة، تهدد وجودها ذاته، في ظل إقليم يموج بالصراعات والانهيارات.
لحظة الإنقاذ.. حين تحركت الدولة
في تلك اللحظة، لم يكن المشهد يحتمل التأجيل، فخرجت الإرادة الشعبية لتعيد تعريف المسار،
ومن قلب هذا التحول، برز دور عبدالفتاح السيسي، الذي تحمّل مسؤولية تاريخية في توقيت بالغ التعقيد، ليبدأ مسارًا لم يكن هدفه فقط إنقاذ الدولة، بل إعادة بنائها من جديد.
بالأرقام.. ماذا حدث داخل مصر؟
لم يكن الحديث عن «إعادة البناء» مجرد شعارات، بل تُرجم إلى أرقام على الأرض:
تنفيذ أكثر من 7000 كم طرق جديدة ضمن شبكة قومية غير مسبوقة.. إنشاء ما يزيد عن 20 مدينة جديدة من بينها العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة، إطلاق مبادرة «حياة كريمة» لتطوير الريف المصري، مستهدفة أكثر من 60 مليون مواطن، واستصلاح ما يقرب من 1.5 إلى 2 مليون فدان لدعم الأمن الغذائي، وتطوير شامل لقطاع الكهرباء، حتى تحولت مصر من العجز إلى تصدير الطاقة.
القضاء على قوائم انتظار العمليات الحرجة، وعلاج ملايين المرضى ضمن مبادرات صحية، وإنشاء وتطوير آلاف المدارس والجامعات، والتحول نحو التعليم الرقمي.
هذه الأرقام لا تعني الكمال.. لكنها تعكس اتجاهًا واضحًا:
الانتقال من دولة منهكة إلى دولة تحاول إعادة بناء نفسها.. الدور الإقليمي سياسة «حماية الدولة الوطنية».. لم يقتصر التحرك على الداخل، بل امتد إلى محيط إقليمي شديد التعقيد، حيث تبنّت مصر رؤية قائمة على:
الحفاظ على سيادة الدول، ومنع تفكيكها
في ليبيا ودعم مسار الدولة ومنع انهيارها الكامل
في غزة: دور محوري في التهدئة وإعادة الإعمار
في السودان: تحركات دبلوماسية لتقليل حدة الصراع.
في أزمة شرق المتوسط: حماية الحقوق الاستراتيجية للطاقة.. في القضية الفلسطينية: تثبيت مبدأ الحل السياسي ورفض التهجير.. هذا الدور لم يكن عسكريًا فقط، بل سياسيًا ودبلوماسيًا قائمًا على منع الفوضى قبل وقوعها.
إفريقيا… عودة العمق الاستراتيجي
على المستوى الإفريقي، أعادت مصر تموضعها بشكل واضح: رئاسة الاتحاد الإفريقي عام 2019
إطلاق مشروعات ربط وبنية تحتية مع دول القارة.
دعم ملفات التنمية ومكافحة الإرهاب.. تحرك دبلوماسي واسع في ملف سد النهضة لحماية الأمن المائي المصري.
الحضور الدولي.. من التأثير إلى المبادرة
لم تعد مصر مجرد متلقٍ للأحداث، بل أصبحت طرفًا فاعلًا:
استضافة مؤتمر المناخ العالمي COP27 في شرم الشيخ.
لعب أدوار وساطة في أزمات إقليمية
طرح رؤى للحلول السياسية بدلًا من التصعيد العسكري، وتعزيز الشراكات مع قوى دولية متعددة «شرقًا وغربًا»
بين التحديات والإنجاز
ورغم هذه التحركات، تبقى التحديات قائمة:
ضغوط اقتصادية عالمية.. ارتفاع تكاليف المعيشة،
الحاجة المستمرة لتحسين جودة الحياة للمواطن
لكن الفارق الجوهري هنا،
أن الدولة لم تعد في مرحلة الانهيار… بل في مرحلة الصمود وإعادة التشكيل.
مشروع دولة.. لا مجرد حكم
إن تجربة عبدالفتاح السيسي لم تعد مجرد تجربة رئيس، بل مشروع دولة يحاول:
تثبيت الداخل
استعادة الدور الإقليمي
والانخراط في معادلات دولية معقدة
قد تختلف الآراء حول التفاصيل،
لكن الثابت أن مصر لم تعد كما كانت قبل عقد من الزمن.
«في زمن سقوط الدول.. لم يكن التحدي أن نحلم،
بل أن نمنع الوطن من السقوط.. ثم نعيد بناءه من جديد».


