في واحدة من أبشع الفواجع التي تهز الضمير الإنساني، تتحول بعض المدارس الخاصة التي يُفترض أن تكون مهدًا للتربية والتعليم، إلى مسرح لجريمة أخلاقية مكتملة الأركان.. أطفال في عمر البراءة لم تكتمل قدرتهم على الفهم أو الدفاع عن أنفسهم، يتعرضون للتحرش والاغتصاب مرارًا وتكرارًا داخل أماكن ائتمنها المجتمع على عقولهم وأجسادهم.
نعم.. المأساة هنا مضاعفة؛ فالأهالي الذين يضعفون تحت أعباء مصاريف التعليم الخاصة، ويدفعون من قوت يومهم بحثًا عن بيئة آمنة لأبنائهم، يكتشفون متأخرين أن الأمان كان وهمًا، وأن المدرسة التي حملت اسم «العلم» كانت سببًا في تدنيس البراءة وهتك النفس قبل الجسد.
هذه الجريمة لا تتوقف عند حدود الاعتداء الجسدي.. بل تُخلّف طفلًا مريضًا نفسيًا، مهزوز الثقة، مشوَّه العلاقة بنفسه وبالعالم من حوله.. طفل يُجبر على حمل ندبة عمرية، بينما المجتمع يطالبه بالصمت، وكأن الألم يمكن دفنه مع الوقت.
والأخطر أن هذه الفاجعة لا تتماشى مع طبيعة مجتمعاتنا الشرقية، التي قامت في جوهرها على حماية الصغير وصون العرض، لكنها تعكس واقعًا مؤلمًا لانهيار منظومة القيم، وتراجع الوازع الديني، وغياب الرقابة الأخلاقية، في ظل انتشار غير منضبط للمواقع الإباحية التي شوّهت الفطرة الإنسانية، وطبّعت العنف الجنسي، وحوّلت الجسد إلى أداة إشباع بلا إنسانية.
البعد عن الدين هنا لا يُقصد به الشكل أو الطقوس.. بل غياب الرقابة الذاتية، وانهيار مفهوم الحلال والحرام، وتراجع الإحساس بالمسؤولية الأخلاقية، وحين يغيب هذا الضابط الداخلي، تصبح القوانين وحدها عاجزة عن الردع إذا لم تُطبق بحسم، ولم تُدعَّم بمنظومة وقاية حقيقية.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: من المسؤول؟
هل هو المعتدي وحده؟
أم إدارة المدرسة التي قصّرت في الرقابة والحماية؟
أم الجهات المعنية التي لم تواكب المتغيرات الخطيرة بقوانين رادعة؟
أم مجتمع يفضّل الصمت والتستر خوفًا من «الفضيحة»؟
ثم السؤال الأكثر قسوة: من يتحمل نفقات علاج هذا الطفل نفسيًا على مدار عمره؟
من يعوّض الأسرة التي دُمّرت؟
ومن يعالج أثر الجريمة الذي لا يزول بالحكم القضائي؟
إن العدالة الحقيقية لا تكتمل بحبس الجاني فقط، بل تتطلب تدخلًا حاسمًا من الدولة عبر سنّ قوانين تتماشى مع خطورة الوضع الحالي، وتشدد العقوبات على جرائم الاعتداء على الأطفال داخل المؤسسات التعليمية، مع تحميل إدارات المدارس مسؤولية قانونية مباشرة عن أي تقصير.
كما أصبح من الضروري إلزام جميع المدارس، دون استثناء، بتركيب كاميرات مراقبة شاملة تغطي كل أرجاء المدرسة، وتخضع لإشراف جهات رقابية مستقلة، حفاظًا على أرواح الأطفال وكرامتهم، لا انتهاكًا لخصوصيتهم.
إلى جانب ذلك، لا بد من تفعيل دور الممارس النفسي داخل المدارس، ليس كوظيفة شكلية، بل كجزء أصيل من المنظومة التعليمية، يراقب السلوكيات، ويكتشف الإشارات المبكرة، ويمثل خط الدفاع الأول عن الطفل قبل وقوع الكارثة.
الصمت في هذه الجرائم جريمة أخرى، والتستر خيانة أخلاقية، والتهاون مشاركة غير مباشرة في اغتيال الطفولة.
إن حماية الأطفال ليست خيارًا.. بل واجب وطني وأخلاقي، وأي مجتمع يفشل في حماية أضعف أفراده، إنما يعلن انهياره القيمي قبل أي انهيار آخر.
يجب اقتلاع تلك الظاهرة من الجذور، بضرورة توعية الأطفال في المدارس من الوقاية من التحرش، وأيضاً ضرورة اختيار العاملين في المدارس بعناية شديدة، وضرورة وجود خط ساخن للابلاغ عن تلك الجرائم ويتمتع بالخصوية.. إن التستر على تلك الجريمة يُعد جريمة يعاقب عليها كل من تستر على تلك الجريمة؛ لحماية نشأ مصر.

