Site iconأخبار مصر والعالم لحظة بلحظة

الدكتور علاء الجرايحي محلب: الحرب كأداة لإعادة تشكيل النظام الدولي

أخبار مصر والعالم لحظة بلحظة - الدكتور علاء الجرايحي محلب: الحرب كأداة لإعادة تشكيل النظام الدولي

 

في خضم التصعيدات المتلاحقة التي يشهدها العالم، يصبح من التبسيط المخل اختزال المشهد في كونه مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متصارعة، فالحروب في صورتها الحديثة لم تعد أحداثًا منفصلة.. بل تحولت إلى أدوات مركبة تُستخدم لإعادة تشكيل موازين القوة داخل النظام الدولي.

المتابع الدقيق يلحظ أن ما يجري يتجاوز منطق «الضربة والرد»، ليدخل في إطار إدارة صراع طويل الأمد، تُستخدم فيه القوة العسكرية كواجهة، بينما تتحرك خلفها اعتبارات أكثر عمقًا تتعلق بالاقتصاد، والنفوذ، وإعادة توزيع الأدوار.

في هذا السياق، يظهر دونالد ترامب بخطاب صدامي حاد، يعكس توجهًا يقوم على استعراض القوة وفرض الإرادة، ليس فقط عسكريًا، بل اقتصاديًا وسياسيًا، هذا النمط من الخطاب، رغم حدّته، يؤدي وظيفة تتجاوز التعبئة الداخلية، ليصبح أداة ضغط تعيد تشكيل سلوك الحلفاء والخصوم على حد سواء.

في المقابل، يتحرك فلاديمير بوتين بمنهج مختلف، يقوم على إعادة التموضع الهادئ، وبناء مساحات نفوذ تدريجية، مستفيدًا من كل فجوة يتركها التوتر الغربي. فروسيا لا تبحث بالضرورة عن حسم سريع، بقدر ما تسعى إلى تفكيك تدريجي لبنية الهيمنة التقليدية، عبر استنزاف ممتد يعيد تشكيل خريطة التحالفات الدولية.

لكن القراءة الأعمق تفرض طرح سؤال أكثر جوهرية:

من المستفيد الحقيقي من استمرار هذا النمط من الصراعات؟

الولايات المتحدة، على سبيل المثال، لا تدير صراعًا عسكريًا فقط، بل توظف ما يمكن تسميته بـ «اقتصاد الحرب»، حيث تُعاد تنشيط الصناعات العسكرية، وتزداد معدلات الطلب على السلاح، وتُفرض معادلات اعتماد متبادل تجعل كثيرًا من الدول رهينة للقرار الأمريكي في التسليح والحماية.

أما روسيا، فترى في هذه اللحظة التاريخية فرصة لإعادة تقديم نفسها كقطب دولي قادر على كسر الاحتكار الغربي، مستفيدة من تصاعد الأزمات لإعادة توسيع نطاق تأثيرها، خاصة في ملفات الطاقة والتحالفات الإقليمية.

وفي المنتصف، تقف قوى إقليمية عديدة، تتحرك بين حسابات الربح والخسارة، وقد تعتقد أنها تحقق مكاسب مرحلية، بينما يتم توظيفها ضمن سياق أوسع يخدم إعادة تشكيل النظام الدولي ككل.

من هنا، يمكن القول إن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم في ساحات القتال فقط، بل في قدرة الدول على إدارة الأزمات، والتحكم في الاقتصاد العالمي، وإعادة صياغة شبكات التحالف.

الخطر الحقيقي لا يكمن في اندلاع الصراعات، بل في سوء قراءتها. فالدولة التي ترى نفسها لاعبًا، دون أن تدرك حدود دورها، قد تجد نفسها في نهاية المطاف مجرد أداة ضمن لعبة أكبر.

وفي عالم يُعاد تشكيله على هذا النحو، لا يكون الانتصار دائمًا لمن يطلق الرصاصة الأولى.. بل لمن ينجح في كتابة قواعد اللعبة نفسها.

Exit mobile version