بقلم: الدكتور علاء الجرايحي محلب
«حقك تحلم، لكن الأهم تعرف تبني، والأخطر ألا تجعل الحلم مبررًا لتهديد حياة الآخرين».. هذه العبارة تلخص جوهر تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد الأخيرة، التي أعلن فيها أن سد النهضة لن يكون الأخير، وأن إثيوبيا بصدد بناء مزيد من السدود خلال السنوات القادمة.
من الناحية السياسية، خطاب آبي أحمد ليس جديدًا، لكنه يأتي في توقيت بالغ الحساسية، فهو يحاول أن يصدر للداخل الإثيوبي صورة القائد الذي حقق «الحلم التاريخي»، ويستثمر في رمزية السد لتعويض أزماته الداخلية المتفاقمة.. أما للخارج، فالرسالة واضحة: إثيوبيا تواصل سياسة التحدي والمساومة مع مصر والسودان.
لكن خلف هذا الصخب الإعلامي، هناك حقيقة لا يمكن إغفالها: سد النهضة في صورته الحالية يعاني من أزمة جدوى اقتصادية.
قبل ثمانية أشهر، انفردت «خمسينة اقتصاد» بنشر معلومة عن لسان دبلوماسي إثيوبي، أن السد يحتاج من 3 إلى 5 سدود صغيرة تعمل كفلاتر له، وإلا ستظل تكلفة تشغيله مرتفعة بشكل مرهق.
هذه الحقيقة تجعل مشروع السد في ذاته أقرب إلى مغامرة سياسية منه إلى خطة تنمية مدروسة.
الأخطر أن آبي أحمد ربط في تصريحاته بين مشروع السد وبين «استعادة الوجود الإثيوبي في البحر الأحمر»، ما يعكس أن القضية ليست فقط توليد كهرباء أو إدارة مياه، بل مشروع جيوسياسي واسع لفرض نفوذ إثيوبي في الإقليم، على حساب مصالح مصر والسودان.
في المقابل، الموقف المصري ظل ثابتًا وواضحًا: الأمن المائي خط أحمر.. الرئيس عبد الفتاح السيسي قالها بجلاء: «مخطئ من يتوهم أن مصر ستغض الطرف عن تهديد وجودي لأمنها المائي».
القاهرة لا تعارض حق إثيوبيا في التنمية، لكنها ترفض أن يتحول نهر النيل إلى أداة ابتزاز سياسي أو ورقة ضغط في ملفات إقليمية.
إن ما يفعله آبي أحمد اليوم هو محاولة خلط الأوراق: استعراض قوة وهمية بسد يحتاج إلى «سدود مساندة» ، وربط ملف المياه بملفات البحر الأحمر والسيادة الإقليمية، لكن ما يغفله أن المياه بالنسبة لمصر ليست ملفًا سياسيًا يمكن التفاوض عليه، بل هي مسألة حياة أو موت.
والسؤال الحقيقي: هل يملك الاقتصاد الإثيوبي المنهك رفاهية الدخول في سلسلة سدود جديدة، بينما لم ينجح بعد في تأمين الجدوى الاقتصادية من السد الأول؟ أم أن إثيوبيا تستخدم سد النهضة كوسيلة ضغط سياسي، أكثر من كونه مشروعًا للتنمية؟.
الزمن كفيل بالإجابة، لكن المؤكد أن القاهرة لن تسمح بتهديد وجودها، وأن الحلم الإثيوبي سيظل ناقصًا طالما بُني على حساب حياة الآخرين.


