كتبت :سلمى حسن
تحل اليوم الذكرى المئوية لميلاد الفنان الراحل فؤاد المهندس، الذي وُلد في السادس من سبتمبر عام 1924، وامتدت مسيرته الفنية لما يزيد على نصف قرن، قدّم خلالها مئات الأعمال التي تركت بصمة خالدة في المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون. وقد رحل عن عالمنا في سبتمبر 2006، بعد رحلة فنية وإنسانية جعلته من أبرز رموز الكوميديا الراقية في مصر والعالم العربي.
يُعد فؤاد المهندس من الفنانين القلائل الذين جمعوا بين الموهبة المتعددة والانضباط الشديد في العمل، وهو ما جعل تلاميذه وزملاءه يطلقون عليه لقب “الأستاذ” تقديرًا لمكانته واحترامًا لأسلوبه الفني الذي التزم به طوال مشواره.
مسيرة فنية حافلة
على مدار عقود، قدّم المهندس عددًا كبيرًا من الأعمال الخالدة، سواء على خشبة المسرح أو في شاشة السينما أو عبر أثير الإذاعة. وكان من أبرز برامجه الإذاعية برنامج “كلمتين وبس”، الذي استمر لما يقرب من أربعين عامًا، وناقش فيه قضايا اجتماعية بأسلوب ساخر وواعٍ.
كذلك قدّم عددًا كبيرًا من المسرحيات التي لا تزال محفورة في ذاكرة الجمهور، من بينها “أنا وهو وهي”، “سيدتي الجميلة”، “سك على بناتك”، و”إنها حقًا عائلة محترمة”، وجميعها اتسمت بالكوميديا الهادفة التي تناقش قضايا المجتمع بشكل ذكي وبعيد عن الابتذال.
المسرح أولًا
كان المسرح هو المجال الأقرب إلى قلب فؤاد المهندس، كما أوضح نجله في حوار سابق تحدث فيه عن طقوس والده الفنية، مشيرًا إلى أن أولويات “الأستاذ” كانت مقسّمة بوضوح: المسرح أولًا، ثم الإذاعة، ثم التلفزيون، وأخيرًا السينما.
وكان المهندس يحرص على الحضور المبكر إلى المسرح قبل العروض بساعتين كاملتين، يتأكد خلالها من تجهيز كل التفاصيل، ثم يعكف على قراءة القرآن الكريم خلف الستار حتى موعد العرض. وكان يشدد على احترام النص المسرحي وعدم الخروج عنه، ويُعرف بدقته الكبيرة داخل الكواليس.
مواقف من الكواليس
روى نجل فؤاد المهندس عددًا من المواقف التي تُظهر شخصية والده الصارمة في العمل والمخلصة للمسرح، مشيرًا إلى أنه استمر في تقديم عروض مسرحية رغم إصابته بجلطة في القلب، وكان يقول دائمًا: “صحتي بترجع لما أشتغل.. فما بالك لو مسرح؟”.
كما استعاد واقعة طريفة حدثت خلال عرض مسرحية “سك على بناتك”، حيث كان أولاده يجلسون مع الفنانة شريهان وآخرين في بلكونة مجاورة للمسرح، وعلت أصواتهم، ما دفع المهندس إلى الخروج من خشبة المسرح ومعه عصا، فقام بتأديبهم جميعًا، بمن فيهم شريهان، ثم عاد لاستكمال المشهد وكأن شيئًا لم يحدث.
وفي موقف آخر، قام المهندس بتأنيب الفنان محمد أبو الحسن على خشبة المسرح حين خرج عن النص، ثم سمح له لاحقًا بمساحة للارتجال المتفق عليه، لأنه كان يؤمن أن العمل المسرحي يجب أن يلتزم بالنص احترامًا للجمهور وللزملاء.
إرث فني وإنساني
لم يكن فؤاد المهندس مجرد ممثل كوميدي، بل كان صاحب مدرسة فنية تخرج منها عدد كبير من نجوم الكوميديا، وحرص طوال حياته على تقديم الفن كرسالة، مؤمنًا بأن الضحك لا يعني الابتذال، وأن الفنان الحقيقي هو من يُضحك الجمهور ويحترم عقله في آنٍ واحد.
بعد مئة عام من ميلاده، لا تزال أعمال فؤاد المهندس تُعرض وتُذكر، ويظل اسمه حاضرًا في ذاكرة الفن العربي كرمز للإبداع والانضباط والموهبة الأصيلة.

