لقد تعوّدت ألّا أحتقر إنسانًا، مهما بلغ من السقوط في أعين غيره.. لا تبريرًا للفعل، ولا دفاعًا عن الخطأ، بل إيمانًا بأن الإنسان كما الأمم، حصيلة ظروف، وأن الانكسار لا يبدأ من الهزيمة.. بل من فقدان الوعي، ومن توهّم أن القوة الدائمة حقٌّ مكتسب.
حتى أنذل الناس له منطق في أفعاله، وكذلك الدول.. منطق قد يبدو واقعيًا،لكنه في جوهره قصير النفس.
وهنا أخطأت دول كثيرة ظنّت أن السياسة مجرد صفقات، وأن الهوية عبء، وأن الثوابت يمكن التنازل عنها مقابل مكسبٍ مؤقت.
التاريخ لا يكافئ من يبيع ذاكرته، ولا يحمي من يفرّط في قراره.
خذ «فرنسوا فيّلون»؛ الأفّاق، اللص، الشاعر – رجل جمع التناقض كله في جسد واحد، وحين كان يموت بالسل في سجنه نحيلًا، أزرق، متقطع الأنفاس، لم يشكُ العالم.. بل قال: «أيها الدود في قبري عذرًا.. فلن تظفر مني بوليمة دسمة، فقد أكلني الناس على الأرض، ولم يتركوا لك إلا العظام».
هذه ليست صرخة شاعر.. بل درس تاريخي قاسٍ.. العالم الذي يلتهم نفسه، يفقد احترامه لنفسه قبل أن يفقد احترام الآخرين.
العالم اليوم يعيش هذه اللحظة.. قوى كبرى ترفع شعارات الأخلاق، وتدير مصالحها بلغة القوة وحدها.. دول باعت هويتها، وتخلّت عن قرارها،
فصارت ساحات صراع لا أصحاب قرار.
وفي قلب هذا الاضطراب، تبدو مصر حالة مختلفة، فهي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي حافظت على هويتها، رغم تكالب المصالح، وتغيّر التحالفات، وتبدّل موازين القوة.
لم تغيّر بوصلتها، ولم تساوم على قرارها، ولم تتخلّ عن قضيتها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي بقيت مصر ركيزتها السياسية والأخلاقية
رغم الضغوط والإغراءات.
نعم.. مصر اختارت الطريق الأصعب:العمل لا الضجيج، والدبلوماسية لا المغامرة، والصبر لا الانكسار.. ولهذا، لم يكن لافتًا أن تصدر إشارات تقدير حتى من شخصيات دولية معروفة
بصراحتها الخشنة ونبرتها الكاشفة، وفي مقدمتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.. قد يراها البعض كلمات مجاملة، لكن من يعرف طبيعة الرجل
يدرك أن المجاملة ليست من أدواته، وأن ما قاله عن مصر وقوة رجالها لم يكن انطباع لحظة.. بل قراءة تراكمية لسنوات من العمل الصامت،
وتجاوز الضغوط، وتخطّي محاولات الاحتواء.
ترامب، كغيره من صُنّاع القرار لا يحترم الضعفاء، ولا يقدّر إلا من يفرض نفسه بالعمل، ويحمي مصالحه دون صخب، ويحافظ على قراره مهما تعقّدت الظروف.
وهنا تحديدًا تتضح الصورة:
ما وصلت إليه مصر لم يكن هدية من أحد، ولا نتيجة ظرف طارئ.. بل ثمرة قيادة وطنية اشتغلت بصبر، وتحمّلت كلفة القرار، وتجاوزت محاولات الاستنزاف على مدار سنوات.
ومع الوقت، اضطر العالم مرة أخرى
إلى التعامل مع مصر بوصفها دولة مركزية.. لا تابعًا، ولا ورقة في يد أحد، بل لاعبًا يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يفرض منطقه.. هكذا يُصنع الاحترام في السياسة، وهكذا يُكتب التاريخ.
ليس بالصوت العالي، ولا بالشعارات الرنانة.. بل بالثبات والعمل والقدرة على حماية الأرض والشعب في زمن تتساقط فيه الدول واحدة تلو الأخرى.
إن ما تكتبه مصر اليوم ليس فصلًا عابرًا.. بل صفحة جديدة في تاريخ جمهورية حافظت على هويتها، وصانت قرارها، وتقدّمت رغم العواصف.
فما من دولة بقيت لأنها كانت الأعلى صوتًا.. بل لأنها كانت الأثبت موقفًا، وما من وطن نجا
إلا لأنه امتلك قيادة وطنية مخلصة، ورجال دولة يعرفون معنى الصبر، وشعبًا تحمّل، حتى فرض احترامه على العالم.

