بقلم: د. علاء الجرايحي محلب
في كل مرة تشتعل فيها منطقة الشرق الأوسط، لا تتوقف آثارها عند حدود الصراع العسكري، بل تمتد سريعًا إلى الاقتصاد العالمي. فالمنطقة ليست مجرد بؤرة توتر سياسي، بل تمثل القلب النابض لتجارة الطاقة العالمية، وتمر عبرها أهم الممرات البحرية التي تعتمد عليها حركة التجارة الدولية.
اليوم، ومع استمرار التوترات الإقليمية، يطرح سؤال نفسه بقوة: هل يقترب العالم من أزمة اقتصادية عالمية جديدة؟
الإجابة ليست بسيطة، لكنها تستحق قراءة متأنية.
لقد دخل الاقتصاد العالمي هذه المرحلة وهو يعاني بالفعل من إرث ثقيل خلفته جائحة كورونا، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، وارتفاع معدلات التضخم، وزيادة أسعار الفائدة، وتباطؤ النمو في العديد من الاقتصادات الكبرى. ومع اندلاع أزمات جديدة في الشرق الأوسط، أصبحت الأسواق أكثر حساسية لأي تطور عسكري أو سياسي.
وتكمن خطورة المشهد في أن العالم يعتمد بصورة كبيرة على أمن الممرات البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز وباب المندب، اللذان تمر عبرهما نسبة كبيرة من تجارة النفط والغاز والسلع. وأي تعطيل لحركة الملاحة، ولو لفترة محدودة، ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة وتكاليف النقل والشحن والتأمين.
وهنا تبدأ سلسلة من التداعيات الاقتصادية؛ فارتفاع أسعار النفط يعني ارتفاع تكلفة الإنتاج، ثم ارتفاع أسعار السلع والخدمات، مما يؤدي إلى عودة التضخم، وهو ما قد يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة، فتتراجع الاستثمارات، ويضعف النمو الاقتصادي، وتزداد احتمالات الركود.
ولا تتوقف الآثار عند الدول الصناعية، بل تمتد بقوة إلى الدول النامية، التي تتحمل أعباء إضافية نتيجة ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة والغذاء، وزيادة تكلفة الاقتراض الخارجي، وتراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي.
وفي أوقات عدم اليقين، يتجه المستثمرون عادة إلى الملاذات الآمنة مثل الذهب وبعض العملات والسندات الحكومية، بينما تتعرض أسواق الأسهم والعملات الرقمية وغيرها من الأصول مرتفعة المخاطر لموجات من التقلبات الحادة.
لكن التاريخ يعلمنا أن الأزمات لا تخلق خاسرين فقط، بل تخلق أيضًا فرصًا جديدة. فالدول التي تمتلك استقرارًا سياسيًا، وبنية تحتية قوية، ورؤية اقتصادية واضحة، تكون أكثر قدرة على جذب الاستثمارات التي تبحث عن بيئات آمنة.
ومن هنا تبرز أهمية تنويع الاقتصاد، وتعزيز الأمن الغذائي، والاستثمار في الطاقة الجديدة والمتجددة، وتطوير الصناعات المحلية، وتقليل الاعتماد على الواردات، باعتبارها أدوات رئيسية لمواجهة الصدمات العالمية.
أما على المستوى الدولي، فمن المتوقع أن تستمر الحكومات والبنوك المركزية في استخدام مزيج من السياسات النقدية والمالية، مع زيادة الإنفاق على الأمن والطاقة وسلاسل الإمداد، والعمل على فتح مسارات تجارية بديلة لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية المهددة.
وهنا يجب أن نقف أمام سؤال مهم : هل نحن أمام أزمة اقتصادية عالمية؟
الإجابة هي أن العالم يقف بالفعل أمام مرحلة دقيقة، لكن حجم الأزمة سيعتمد على عاملين رئيسيين: مدة استمرار الصراعات، وقدرة القوى الدولية على احتواء التصعيد. فإذا استمرت المواجهات واتسعت رقعتها، فقد يشهد العالم موجة جديدة من التضخم والركود وتراجع الاستثمارات. أما إذا نجحت الجهود الدبلوماسية في تهدئة الأوضاع، فمن المرجح أن يستعيد الاقتصاد العالمي جزءًا من استقراره تدريجيًا.
وفي جميع الأحوال، فإن السنوات المقبلة لن تشبه ما قبلها. فالاقتصاد العالمي يدخل مرحلة إعادة تشكيل، ستتغير فيها موازين التجارة، ومسارات الاستثمار، ومراكز القوة الاقتصادية. وستكون الدول الأكثر استعدادًا والأسرع في التكيف هي الأكثر قدرة على تحويل التحديات إلى فرص، بينما سيدفع ثمن التردد أولئك الذين يكتفون بردود الأفعال.
إن العالم لا يعيش مجرد أزمة عابرة، بل يقف عند نقطة تحول تاريخية، ستعيد رسم خريطة الاقتصاد الدولي لعقود قادمة.
وعلي هذا الصعيد يجب أن نعي جيدا بأن العالم محاط بأزمات كبري ومصر تحاول جاهدة الحفاظ علي شعبها بأمان دون الانزلاق الي أي نزاع للحفاظ علي الحالة العامة للبلاد في وسط عالم ملتهب .
حفظ الله مصر وشعبها ورئيسها وقيادتها من كل عسير.


