Site iconأخبار مصر

أربعة أركان لبناء حياة المواطن المصري

أخبار مصر - أربعة أركان لبناء حياة المواطن المصري

 

بقلم: الدكتور علاء الجرايحي محلب

هناك أشياء في حياة المواطن لا يمكن أن نعتبرها مجرد خدمات تقدمها الدولة، لأنها في الحقيقة تمثل أساس الاستقرار الاجتماعي والأسري للمجتمع كله، وأعتقد أن أهم أربعة أركان يحتاج إليها المواطن البسيط هي: «المسكن، والمأكل، والتعليم، والصحة».

وهذه الملفات الأربعة، إذا تحسنت بصورة مستمرة، فإنها لا تحسن حياة المواطن فقط، وإنما تمنحه شعورًا أكبر بالأمان والاستقرار والانتماء للمكان الذي يعيش فيه.

أولًا: المسكن

من الأمور التي تلفت الانتباه خلال السنوات الماضية استمرار الدولة في طرح مشروعات سكنية لمحدودي ومتوسطي الدخل، إلى جانب مشروعات الإسكان البديل، وهي خطوة لها تأثير يتجاوز مجرد توفير أربعة جدران وسقف.

فالمسكن المستقر يعني أسرة أكثر استقرارًا، وأطفالًا أكثر قدرة على الانتظام في التعليم، وحياة اجتماعية أكثر ثباتًا، وقد شهدنا خلال السنوات الماضية مشروعات الإسكان البديل ونقل سكان المناطق غير الآمنة إلى وحدات سكنية مخططة، ومن النماذج المعروفة مشروع الأسمرات وغيرها من مشروعات تطوير المناطق غير الآمنة.

واليوم نرى اتجاهًا جديدًا يستحق التوقف أمامه، وهو الإيجار المنتهي بالتملك.

ففي سبتمبر 2026 أعلنت وزارة الإسكان فتح باب التقدم لـ25 ألف وحدة سكنية بنظام الإيجار والإيجار المنتهي بالتملك، ضمن توجه للتوسع في توفير السكن بأنماط مختلفة أمام المواطنين.

وهنا أرى أن الفكرة الأهم ليست فقط عدد الوحدات التي يتم طرحها، وإنما استمرار هذا المسار وتطويره بحيث يجد المواطن محدود الدخل طريقًا واقعيًا إلى مسكن مستقر، سواء من خلال التملك أو الإيجار المدعوم أو الإيجار المنتهي بالتملك.

فالهدف في النهاية أن يصل المواطن إلى مرحلة يشعر فيها أن لديه بيتًا مستقرًا لا تهدده تقلبات سوق الإيجارات كل عام.

وأعتقد كذلك أن ملف الإيجار الجديد يحتاج إلى نقاش هادئ من المتخصصين حول وضع ضوابط تحقق التوازن بين المالك والمستأجر، سواء فيما يتعلق بمدة التعاقد أو الزيادات الإيجارية، بما يحافظ على حق الطرفين ويمنح الأسرة المصرية قدرًا أكبر من الاستقرار.

ثانيًا: المأكل

لا يقل ملف الغذاء أهمية عن المسكن، فالمواطن قد يستطيع تحمل بعض الضغوط، لكنه عندما يشعر أن احتياجات أسرته الأساسية أصبحت فوق قدرته، فإن الضغط الاقتصادي يتحول إلى ضغط اجتماعي ونفسي على الأسرة كلها.

ولهذا فإن ضبط الأسواق، وزيادة المعروض، وتوفير السلع الأساسية من خلال المنافذ الحكومية والمبادرات المختلفة، يمثل جانبًا مهمًا من جوانب الحماية الاجتماعية.

وفي أغسطس 2026 أعلنت وزارة التموين عن خطة للتوسع في المنافذ الحكومية وطرح سلع أساسية بأسعار مناسبة، مع استهداف وجود منفذ مشارك على الأقل في كل مركز من مراكز الجمهورية، والتوسع تدريجيًا في قائمة السلع المطروحة.

وهنا أيضًا لا ينبغي أن يكون الهدف مجرد التدخل وقت الأزمات، وإنما الوصول تدريجيًا إلى سوق أكثر انضباطًا وتوازنًا، يستطيع فيه المواطن شراء احتياجاته الأساسية بسعر يتناسب بصورة أفضل مع قدرته الشرائية.

ثالثًا: التعليم

أما التعليم فهو الاستثمار الحقيقي في الإنسان، وقد شهدنا خلال السنوات الماضية اهتمامًا بتطوير البنية التعليمية، وإنشاء نماذج جديدة من المدارس، وتطوير التعليم الفني والتكنولوجي، وهي خطوات مهمة لأن مصر لا تحتاج فقط إلى خريج يحمل شهادة، وإنما تحتاج إلى إنسان يمتلك مهارة يستطيع أن يدخل بها سوق العمل وينتج ويبتكر.

وأعتقد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى المزيد من المدارس الصناعية والتكنولوجية المتخصصة المرتبطة باحتياجات سوق العمل.

لماذا؟

لأن الطفل الذي يتعلم مهارة حقيقية منذ سن مبكرة يمكن أن يتحول خلال سنوات قليلة إلى عنصر منتج في الاقتصاد.

نحن بحاجة إلى أن يصبح التعليم الفني اختيارًا له مكانته وقيمته، وليس مجرد بديل لمن لم يلتحق بالتعليم العام.

فالاقتصاد الحديث يحتاج إلى الفني الماهر بنفس قدر احتياجه إلى الطبيب والمهندس والمحاسب.

رابعًا: الصحة

ثم يأتي الملف الذي يمس كل بيت مصري بلا استثناء.. «الصحة»، وقد شهد القطاع الصحي توسعًا في إنشاء وتطوير المنشآت الطبية، وتطوير وحدات الرعاية الأساسية، والتوسع في منظومة التأمين الصحي الشامل.

وتشير بيانات وزارة الصحة إلى مشروعات متعددة لتطوير أماكن تقديم الخدمات العلاجية، إلى جانب التوسع في منظومة التأمين الصحي وتطوير البنية التحتية الصحية.

لكن الطموح يجب أن يستمر.

فنحن لا نحتاج فقط إلى مستشفى أو وحدة صحية جديدة، وإنما نحتاج إلى منظومة متكاملة يشعر فيها المواطن أن الخدمة الصحية قريبة منه، وأن الطبيب موجود، وأن الدواء متاح، وأن جودة الخدمة تتحسن باستمرار.

أربعة ملفات.. وهدف واحد

عندما نتحدث عن المسكن والمأكل والتعليم والصحة، فنحن في الحقيقة لا نتحدث عن أربعة ملفات منفصلة.

نحن نتحدث عن حياة المواطن المصري.

المسكن يعطيه الاستقرار.

والغذاء يعطي أسرته الأمان.

والتعليم يبني مستقبل أبنائه.

والصحة تحافظ على الإنسان الذي يمثل أساس كل شيء.

ومن هنا، فإن استمرار الدولة في تطوير هذه الملفات الأربعة هو أمر نتمنى أن يتوسع ويتطور بصورة أكبر خلال السنوات المقبلة.

ونحن كمواطنين لا نطلب أن تنتهي كل المشكلات في يوم وليلة، لأننا ندرك حجم التحديات وضخامة المسؤولية، ولكننا نطمح إلى أن يستمر العمل، وأن تصل ثمار التنمية بصورة أكبر إلى المواطن البسيط، وأن يشعر المواطن أن ما يتم بناؤه في الدولة ينعكس بصورة مباشرة على حياته وحياة أسرته.

وأتمنى من الله أن يعين القيادات الوطنية المصرية على استكمال هذا الطريق، وأن يكون القادم أفضل.

فمصر لا تبني المدن فقط..

مصر تبني إنسانًا.

وكلما استطعنا أن نوفر للمواطن مسكنًا مستقرًا، وغذاءً آمنًا، وتعليمًا جيدًا، ورعاية صحية محترمة، اقتربنا أكثر من الهدف الأكبر:

أن يعيش المواطن المصري حياة أكثر استقرارًا وكرامة، وأن يشعر أن وطنه يمضي إلى الأمام معه وليس بعيدًا عنه.

Exit mobile version