بقلم: الدكتور علاء الجرايحي محلب
أحيانًا تكون الجملة القصيرة أكثر دلالة من خطاب طويل، خصوصًا عندما تصدر في توقيت محسوب ومن منصة دولية بحجم تجمع بريكس.
خلال قمة بريكس في الهند، قال الرئيس عبدالفتاح السيسي إن مصر تتطلع إلى تولي رئاسة تجمع بريكس في المستقبل القريب.
قد تبدو الجملة للوهلة الأولى مجرد إعلان عن طموح دبلوماسي مشروع لدولة عضو في تجمع دولي صاعد، لكن قراءة المشهد الأوسع تكشف أن المسألة تتجاوز كثيرًا فكرة الحصول على منصب أو استضافة قمة، وهنا لازم يكون السؤال الحقيقي ليس: لماذا تريد مصر رئاسة بريكس؟.. بل: لماذا تتحدث القاهرة عن الرئاسة الآن؟
العالم الذي انضمت إليه مصر إلى بريكس لم يعد هو العالم نفسه الذي نراه اليوم.
فالحروب أعادت رسم خريطة الطاقة، والممرات البحرية تحولت من مجرد طرق تجارية إلى أوراق ضغط جيوسياسية، وسلاسل الإمداد العالمية أصبحت جزءًا من معادلات الأمن القومي، بينما تواجه الدول النامية أزمات متزايدة في التمويل والديون والغذاء والطاقة.
وفي قلب هذا المشهد تقف مصر بموقع جغرافي استثنائي.
من قناة السويس التي تربط الشرق بالغرب، إلى البحر الأحمر والبحر المتوسط، ومن بوابتها الأفريقية إلى امتدادها العربي وعلاقاتها مع أوروبا وآسيا، تبدو مصر في موقع يجعلها أكثر من مجرد دولة مشاركة في النقاش حول مستقبل التجارة العالمية.
مصر تملك جزءًا من مفاتيح هذه التجارة، وهنا تبدأ أهمية الحديث عن رئاسة بريكس من العضوية إلى التأثير الحقيقي.
عندما أصبحت مصر عضوًا في بريكس، كان أحد الأهداف الواضحة هو توسيع مساحة الحركة الاقتصادية والسياسية أمام القاهرة، وتنويع الشراكات الدولية، وفتح أبواب جديدة للتجارة والاستثمار والتمويل، لكن التطورات العالمية دفعت بريكس نفسه إلى مرحلة مختلفة.
فالتجمع لم يعد مجرد إطار اقتصادي للدول الصاعدة، وإنما أصبح أحد المنصات التي يجري داخلها النقاش حول شكل النظام الدولي، ومستقبل التمويل والتنمية، والعملات، والتجارة، والطاقة، والغذاء، والأمن الدولي.
ولهذا فإن انتقال مصر من مجرد عضو إلى دولة تسعى مستقبلًا إلى قيادة أجندة التجمع يحمل دلالة سياسية أكبر.
الرئاسة هنا ليست لقبًا.
الرئاسة تعني القدرة على وضع الأولويات، وطرح المبادرات، وبناء التوافقات، وتحويل رؤية الدولة إلى جزء من أجندة تجمع يضم قوى اقتصادية وسياسية كبرى.
لماذا التجارة والموانئ والغذاء والطاقة معًا؟
قد يتساءل البعض: لماذا تتحدث مصر داخل بريكس في الوقت نفسه عن التجارة والاستثمار والغذاء والطاقة واللوجستيات والممرات الدولية؟
الإجابة أن هذه الملفات لم تعد منفصلة.
الغذاء يحتاج إلى النقل، والنقل يحتاج إلى الطاقة، والطاقة تحتاج إلى استثمارات وتمويل، والاستثمارات تحتاج إلى نظام مالي قادر على دعم الدول النامية، وكل ذلك يحتاج إلى ممرات تجارية آمنة.
ومن هنا تبدو الرؤية المصرية أكثر ترابطًا مما قد يبدو في القراءة السريعة.
فعندما تتحدث القاهرة عن تطوير مركز للحبوب واللوجستيات، فهي لا تتحدث فقط عن مشروع اقتصادي.
وعندما تتحدث عن قناة السويس والممرات التجارية، فهي لا تتحدث فقط عن رسوم عبور السفن.
وعندما تتحدث عن إصلاح النظام المالي الدولي، فهي لا تتحدث فقط عن المؤسسات المالية.
إنها تضع هذه الملفات داخل منظومة واحدة عنوانها:
من يملك القدرة على تأمين حركة التجارة والطاقة والغذاء والتمويل، يملك جزءًا من القدرة على التأثير في شكل الاقتصاد العالمي.
قناة السويس.. ورقة مصرية داخل بريكس
ربما تكون قناة السويس واحدة من أهم الأوراق التي تمنح مصر وزنًا خاصًا داخل أي نقاش حول التجارة العالمية.
ففي السنوات الأخيرة أثبتت الأزمات أن طرق التجارة ليست مجرد خطوط على الخريطة.
اضطراب البحر الأحمر، وتوترات المنطقة، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وإعادة توجيه السفن بعيدًا عن بعض الممرات، كلها كشفت للعالم مدى حساسية الاقتصاد العالمي تجاه أمن الممرات البحرية.
وفي هذه اللحظة تحديدًا تصبح مصر مختلفة عن كثير من أعضاء بريكس.
فالقاهرة لا تمتلك فقط سوقًا كبيرة وموقعًا جغرافيًا مهمًا، وإنما تقف عند واحدة من أهم نقاط الاتصال بين آسيا وأوروبا.
وهذا يمنحها فرصة لأن تقدم نفسها داخل بريكس باعتبارها حلقة وصل بين مناطق الاقتصاد العالمي، وليس مجرد دولة تبحث عن نصيب أكبر من التجارة.
المعركة الأكبر.. التمويل
لكن ربما يكون الملف الأكثر عمقًا هو التمويل.
فالدول النامية لا تبحث فقط عن التجارة، وإنما تبحث عن تمويل قادر على مساعدتها في بناء البنية التحتية والطاقة والغذاء والصناعة.
ومن هنا يأتي اهتمام مصر بإصلاح النظام المالي الدولي وتعزيز دور بنك التنمية الجديد التابع لبريكس.
القضية إذن ليست فقط: من سيقرض الدول؟
ولكن:
من سيحدد قواعد التمويل؟ ومن سيملك القدرة على توجيه الأموال إلى مشروعات التنمية؟
وهذه واحدة من المعارك الهادئة التي تدور خلف المشهد الاقتصادي العالمي.
فالنظام الدولي لا يتغير فقط عبر الحروب والصراعات العسكرية، وإنما يتغير أيضًا عبر البنوك، والعملات، والاستثمارات، وسلاسل التوريد، ومراكز الإنتاج والطاقة.
مصر بين الشرق والغرب
واللافت في الرؤية المصرية أنها لا تقوم على فكرة القطيعة مع النظام الغربي.
وهذه نقطة مهمة جدا سياسيا واقتصاديًا ودبلوماسيا
مصر لا تتحرك داخل بريكس باعتباره تحالفًا عسكريًا أو مشروعًا لإلغاء الغرب، وإنما باعتباره مساحة إضافية للحركة والتفاوض وتنويع الشراكات.
وهذا يتفق مع طبيعة السياسة المصرية التي تحاول الحفاظ على علاقات متعددة مع القوى الكبرى، من الولايات المتحدة وأوروبا إلى الصين وروسيا والهند ودول الخليج وأفريقيا.
القاهرة لا تريد أن تختار عالمًا ضد عالم.
بل تريد أن تكون موجودة في أكثر من دائرة، وأن تزيد قدرتها على المناورة في عالم يتجه بصورة متزايدة نحو تعدد مراكز القوة.
لماذا الآن؟
لأن قواعد اللعبة تتغير.
العالم يتجه تدريجيًا من مرحلة كانت فيها القوة الاقتصادية والسياسية شديدة التركّز، إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تتنافس فيها مراكز متعددة على النفوذ.
الصين قوة اقتصادية كبرى.
الهند صاعدة بسرعة.
روسيا تمتلك ثقلًا في الطاقة والجغرافيا السياسية.
دول الخليج أصبحت لاعبًا ماليًا واستثماريًا مؤثرًا.
وأفريقيا لم تعد مجرد سوق للموارد، وإنما أصبحت ساحة رئيسية للصراع على الاستثمار والنفوذ وسلاسل الإمداد.
وفي وسط هذه التحولات تقف مصر أمام فرصة، ولكنها في الوقت نفسه أمام اختبار.
هل تستطيع تحويل موقعها الجغرافي إلى نفوذ اقتصادي؟
وهل تستطيع تحويل عضويتها في بريكس إلى استثمارات وتجارة وتمويل وصناعة؟
وهل تستطيع أن تجعل قناة السويس والموانئ والمنطقة الاقتصادية جزءًا من منظومة سلاسل الإمداد الجديدة؟
وهل تستطيع أن تلعب دورًا في تقريب وجهات النظر بين دول تختلف في مصالحها ورؤاها؟
هذه هي الأسئلة التي ستحدد قيمة الدور المصري، وليس مجرد الحصول على رئاسة التجمع.
الرسالة الأبعد من القمة
لهذا فإن عبارة الرئيس السيسي حول تطلع مصر إلى رئاسة بريكس تستحق أن تُقرأ باعتبارها إعلان نية سياسية واستراتيجية مبكرة.
فمصر لا تقول فقط:
نحن أعضاء في بريكس.
بل تقول:
نريد أن نكون من الدول التي تساهم في تحديد أجندته.
وهذا فرق كبير.
الرئاسة، إذا تحققت مستقبلًا، ستمنح القاهرة فرصة أكبر لطرح قضايا تراها حيوية للدول النامية: التمويل، الغذاء، الطاقة، التجارة، البنية التحتية، التنمية، وأمن سلاسل الإمداد.
لكن الأهم أن مصر تحاول بناء صورة جديدة لدورها الدولي:
دولة لا تقع فقط على خطوط الصراع، وإنما تقع أيضًا على خطوط التجارة.
وهنا تكمن قوة الموقع المصري.
فمن يملك الجغرافيا يستطيع أن يمرر السفن، لكن من يملك الرؤية والاقتصاد والدبلوماسية يستطيع أن يحول الجغرافيا إلى نفوذ.
في النهاية..
ربما يكون السؤال الذي يجب أن نطرحه بعد قمة بريكس ليس:
هل ستحصل مصر على رئاسة التجمع؟
وإنما، هل تستطيع مصر أن تجعل من رئاسة بريكس، عندما تأتي، نقطة تحول في وزنها الاقتصادي والدبلوماسي؟
فالعالم الجديد لا يُصنع فقط في ساحات الحرب.
إنه يُصنع أيضًا في غرف التفاوض، وممرات التجارة، ومؤسسات التمويل، ومراكز الطاقة والغذاء.
ومصر، بحكم موقعها ودورها، تبدو وكأنها تقول للعالم:
لسنا مجرد دولة تعبر من خلالها التجارة العالمية… نريد أن نكون جزءًا من صناعة القواعد التي تحكم هذه التجارة.
ومن هنا يمكن فهم الرسالة المصرية الأعمق: مصر لا تبحث فقط عن رئاسة بريكس.. مصر تبحث عن مقعد في غرفة صناعة النظام العالمي الجديد.


