بقلم: الدكتور علاء الجرايحي محلب
لماذا الآن؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن نطرحه قبل أن نحتفل بالقرار البريطاني بحظر استيراد السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
فالقرار في ظاهره اقتصادي، لكنه في جوهره سياسي وقانوني واستراتيجي.
بريطانيا لا تقطع علاقاتها بإسرائيل، ولا تعلن حربًا سياسية عليها، لكنها تفعل شيئًا أكثر دقة وخطورة.. تبدأ في الفصل بين إسرائيل كدولة، وبين المشروع الاستيطاني الذي تريد إسرائيل أن يتحول مع مرور الوقت إلى واقع دائم.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية، بريطانيا لا تعاقب إسرائيل.. لكنها تضع ثمنًا للاستيطان
لسنوات طويلة ظل الموقف الغربي يقوم على معادلة تبدو متناقضة:
المستوطنات غير قانونية، والتوسع فيها يهدد حل الدولتين، لكن العلاقات التجارية والسياسية مع إسرائيل تستمر بصورة طبيعية، أما اليوم، فتبدو بعض العواصم الغربية وكأنها تقول:
إذا كان الاستيطان مخالفًا للقانون الدولي، فلا يمكن أن يستمر التعامل معه وكأنه نشاط اقتصادي طبيعي، وهنا تكمن خطورة القرار البريطاني.
فالخسارة الاقتصادية المباشرة لإسرائيل محدودة، لكن القيمة السياسية للقرار أكبر بكثير من قيمته التجارية.
بريطانيا ترسل رسالة إلى إسرائيل، وإلى الشركات الدولية في الوقت نفسه، لا تجعلوا الاحتلال والاستيطان أمرًا طبيعيًا.
لماذا جاء القرار الآن؟
لأن المسألة لم تعد مجرد بناء مستوطنات جديدة.
المسألة أصبحت مرتبطة بمستقبل الدولة الفلسطينية نفسها.
فالتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، والمشروعات الاستيطانية ذات الأهمية الجغرافية، وعلى رأسها مشروع E1، تثير مخاوف غربية متزايدة من أن تتحول الضفة إلى مجموعة من المناطق المنفصلة جغرافيًا، بحيث يصبح الحديث عن دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة مجرد شعار سياسي.
وهنا تحولت القضية من «نحن نعارض الاستيطان» إلى «إذا استمر الاستيطان بهذه الصورة فلن يبقى حل الدولتين ممكنًا»، وهذا فارق كبير.
القانون الدولي يدخل مرحلة جديدة
الأكثر أهمية أن بريطانيا والدول التي تتحرك معها لا تقدم إجراءاتها باعتبارها موقفًا سياسيًا ضد إسرائيل، وإنما تربطها بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية.
وهنا ينتقل الصراع إلى منطقة أكثر حساسية، فإذا أصبح هناك اعتراف دولي واسع بأن المستوطنات غير قانونية، فإن السؤال التالي يصبح:
ما مسؤولية الدول والشركات والبنوك التي تتعامل اقتصاديًا معها؟
وهذا السؤال قد يكون أخطر بكثير من حظر بعض المنتجات، لأن القضية إذا انتقلت من الإدانات السياسية إلى المخاطر القانونية والمالية، فسوف تبدأ الشركات العالمية في إعادة حساباتها.
وماذا تفعل أمريكا؟
واشنطن لا تتبنى حتى الآن الموقف البريطاني بالكامل، وما زالت العلاقة الأمريكية الإسرائيلية ذات طبيعة استراتيجية.. لكن المثير أن الولايات المتحدة لا تبدو راغبة في تحويل القرار البريطاني إلى أزمة مع لندن.
وهنا يجب الانتباه.
فواشنطن قد لا تؤيد العقوبات، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن استمرار التوسع الاستيطاني يضع مشروع التسوية الذي تتحدث عنه الإدارة الأمريكية أمام مأزق حقيقي، فالولايات المتحدة تريد إسرائيل قوية وآمنة، لكنها تريد أيضًا صيغة سياسية تنهي الصراع.
والسؤال الذي يفرض نفسه:
كيف يمكن أن تقوم دولة فلسطينية إذا استمر تغيير الخريطة على الأرض؟
ولهذا فإن الخلاف الغربي مع إسرائيل يبدو اليوم أقل ارتباطًا بوجودها، وأكثر ارتباطًا بحدود ما تستطيع حكومتها أن تفعله في الأراضي الفلسطينية دون أن تصطدم بمصالح حلفائها أنفسهم.
روسيا والصين.. تقرآن المشهد بطريقة مختلفة
روسيا تنظر إلى هذه التطورات من زاوية القانون الدولي والصراع على النفوذ العالمي، وموسكو التي طالما أكدت رفضها للاستيطان تستطيع الآن استخدام التحول الغربي لإعادة طرح سؤالها التقليدي:
هل قواعد القانون الدولي واحدة للجميع؟
أما الصين فتجد في هذه التطورات تأكيدًا لموقفها الداعم لحل الدولتين وقيام دولة فلسطينية مستقلة، مع التأكيد على دور الأمم المتحدة والقانون الدولي، وبالتالي فإن بكين وموسكو لا تحتاجان إلى قيادة التحرك ضد إسرائيل، يكفيهما أن تشاهدا الغرب نفسه يبدأ في استخدام الأدوات التي ظل يتحدث عنها لسنوات.
ومصر في قلب المشهد
لكن التطور الأهم بالنسبة لنا هو أن مصر لم تكن خارج الصورة.. القاهرة، إلى جانب السعودية والإمارات وقطر والأردن وتركيا وباكستان وإندونيسيا، رحبت بالقرار البريطاني، ودعت المجتمع الدولي إلى البناء عليه واتخاذ إجراءات مماثلة ضد الأنشطة الاستيطانية غير القانونية، وهذا الموقف ليس منفصلًا عن الرؤية المصرية الأوسع.
مصر تريد:
وقف الحرب.
إعادة إعمار غزة.
منع التهجير.
الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية.
منع تحويل غزة إلى ملف منفصل عن القضية الفلسطينية.
والعودة إلى حل الدولتين.
وهنا يظهر الفرق بين الموقف المصري والمواجهة السياسية المباشرة.
القاهرة لا تبحث عن إشعال حرب جديدة، وإنما عن خلق بيئة دولية تجعل الحل السياسي ممكنًا.
الغرب لا ينفصل عن إسرائيل.. لكنه بدأ يضع حدودًا
ومن الخطأ أن نقرأ المشهد باعتباره بداية قطيعة بين إسرائيل والغرب.
الأدق أن الغرب بدأ في إعادة ضبط العلاقة مع إسرائيل.
إسرائيل ما زالت حليفًا استراتيجيًا للولايات المتحدة، وما زالت لها علاقات عميقة مع بريطانيا وأوروبا.
لكن مساحة الحركة أمام الحكومة الإسرائيلية ليست كما كانت.
فكلما اتسع الاستيطان، وكلما زادت الإجراءات التي تغير الواقع الديموغرافي والجغرافي في الأراضي الفلسطينية، زادت صعوبة الدفاع عن هذه السياسات أمام الرأي العام الغربي والمؤسسات الدولية.
وبالتالي قد تكون الرسالة الغربية الجديدة:
نحن مع إسرائيل، لكننا لسنا مع كل ما تفعله الحكومة الإسرائيلية.
وهذه الجملة قد تصبح عنوان المرحلة المقبلة.
الخطر الحقيقي ليس في البضائع
القرار البريطاني في حد ذاته لن يهز الاقتصاد الإسرائيلي.
لكن الخطورة ليست في قيمة الصادرات التي ستتوقف.
الخطورة في أن يتحول القرار إلى سابقة.
اليوم منتجات المستوطنات.
وغدًا شركات مرتبطة بالمستوطنات.
ثم مؤسسات تمويل.
ثم استثمارات.
ثم خدمات وبنية تحتية.
ثم دول أخرى تحذو حذو بريطانيا وفرنسا وكندا ودول أوروبية أخرى.
عندها تتحول المسألة من:
إدانة الاحتلال
إلى:
رفع تكلفة الاحتلال.
وهنا يصبح القرار البريطاني أكثر من مجرد قرار تجاري.
والسؤال الآن: من سيتبع بريطانيا؟
هذه هي النقطة التي يجب أن نراقبها خلال الفترة المقبلة.
هل سيظل القرار البريطاني خطوة منفردة؟
أم يتحول إلى موجة أوروبية؟
وهل ستقبل الشركات العالمية الدخول في مشروعات مرتبطة بالمستوطنات إذا أصبحت هذه الأنشطة مصدرًا لمخاطر قانونية وسياسية؟
وهل ستستمر واشنطن في رفض الضغط على إسرائيل، أم ستبدأ تدريجيًا في ممارسة ضغطها الخاص إذا شعرت أن الاستيطان أصبح عقبة أمام التسوية التي تريدها؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد إن كان القرار مجرد رسالة سياسية…
أم بداية لمرحلة جديدة.
مصر تعرف أين تقف
في وسط هذا المشهد المتشابك، تبدو مصر أمام معادلة دقيقة.
لا تريد حربًا إقليمية مفتوحة.
ولا تريد تهجير الفلسطينيين.
ولا تريد أن تتحول غزة إلى كيان منفصل.
ولا تريد أن تصبح الضفة الغربية واقعًا استيطانيًا مغلقًا يستحيل معه قيام دولة فلسطينية.
وفي الوقت نفسه، تدرك أن الحل لا يمكن أن يكون عسكريًا إلى الأبد.
لذلك فإن المعركة الحقيقية الآن ليست فقط معركة السلاح.
إنها معركة القانون والسياسة والاقتصاد والاعتراف الدولي.
وهنا تأتي أهمية التحرك البريطاني.
ربما يكون من السهل أن ننظر إلى قرار بريطانيا باعتباره منعًا لبعض السلع.
لكن السياسة الدولية لا تقاس دائمًا بحجم القرار، وإنما بما يمكن أن يفتح الباب أمامه.
إذا بقي القرار منفردًا، فسيكون تأثيره محدودًا.
أما إذا تحول إلى سياسة أوروبية أوسع، ثم امتد إلى الشركات والاستثمارات والمؤسسات المالية، فنحن أمام تحول مختلف تمامًا.
عندها لن يكون السؤال:
هل العالم يعترف بأن المستوطنات غير قانونية؟
بل سيصبح السؤال:
هل سيقبل العالم أن يدفع ثمن استمرارها؟
وهنا تحديدًا قد تكون بداية التغيير.
فبريطانيا لم تنقلب على إسرائيل.
لكنها، ومعها عدد متزايد من الدول الغربية، بدأت تقول شيئًا جديدًا:
أمن إسرائيل لا يعني أن يصبح الاحتلال دائمًا، وحل الدولتين لا يمكن أن يبقى شعارًا بينما تتغير الخريطة على الأرض.
ومن هنا يمكن فهم الموقف المصري.
فالقاهرة لا تنظر إلى القرار البريطاني باعتباره نهاية الطريق، وإنما باعتباره خطوة في طريق أطول: إعادة القضية الفلسطينية إلى مسار سياسي دولي، ومنع تحويل الأمر الواقع إلى حدود جديدة.
والسؤال الذي سيجيب عنه المستقبل ليس:
ماذا فعلت بريطانيا؟
بل: من سيكون التالي؟.

