Site iconأخبار مصر

د. علاء الجرايحي محلب يكتب: القوة أمانة.. والسلام حكمة

أخبار مصر - د. علاء الجرايحي محلب يكتب: القوة أمانة.. والسلام حكمة

 

 

الحياة لا توقظ النائمين، ولا تنتظر المتكاسلين، ولا تمنح رغد العيش لمن خان الأمانة وباع المبادئ، ولا تنظر إلى البدايات وكأنها دائمًا علامة على الانتصار؛ فكم من بداية أبهرت أصحابها، كانت في حقيقتها بداية السقوط.

أحيانًا تأتيك الدنيا بكل ما تشتهي، وتُفتح أمامك الأبواب، فتظن أنك وصلت، وأن ما تملكه هو دليل على أنك الأفضل والأقوى. وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي.
فالشيطان لا يأتيك دائمًا بالفقر والألم، بل قد يأتيك أحيانًا من باب النعمة؛ يمنحك من رغد العيش ما يجعلك تنسى قوتك الحقيقية، ويسلب منك تدريجيًا طاقتك، وعزيمتك، واحترامك لنفسك وهيبتك بين الناس.

ثم يبدأ في انتزاع الصفات التي ميزك الله بها؛ التواضع، والكرامة، والوفاء، والشعور بالمسؤولية، حتى تصبح أسيرًا لما تملك، بدل أن تكون مالكًا له.
والأخطر أن الإنسان قد يصل إلى مرحلة يتخيل فيها أنه صاحب الفضل المطلق، وأن الملك ملكه، وأن القوة قوته، وأن الدنيا تدور حوله.
وهنا ينسى الحقيقة الكبرى: «وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ».

فلا تغتر بكثرة المال، ولا بالقوة، ولا بالنفوذ، ولا بالانتصارات المؤقتة؛ لأن النعمة قد تكون اختبارًا، والقوة قد تكون أمانة، والملك قد يكون فتنة.

وهنا تأتي مصر.

مصر التي تبني ولا تسعى إلى الخراب، والتي تعرف أن السلام ليس ضعفًا، وأن الحكمة ليست تراجعًا، وأن الحفاظ على الأوطان والشعوب مسؤولية أكبر من البحث عن انتصار عابر.

مصر تحاول أن تحافظ على السلام ما استطاعت، لأننا لم نُؤمر بالعدوان، ولم نُؤمر بأن ننجرف وراء الطغيان حتى نصبح جزءًا من الفوضى التي تحرق الجميع.

فكم من أسرة تيتمت بسبب الحروب، وكم من جيل ضاعت أحلامه تحت أصوات المدافع، وكم من عائلة هُدمت بيوتها وتشرد أبناؤها، وكم من أرض قُسمت، ودول دُمرت، وشعوب دفعت ثمن صراعات لم تكن تملك قرارها.

الحرب ليست صورة على شاشة، وليست خبرًا عابرًا، وليست أرقامًا تُذكر في نشرات الأخبار.. الحرب أمٌّ تفقد ابنها، وأبٌ يُدفن بعيدًا عن أسرته، وطفل يكبر بلا بيت، وشاب تضيع سنوات عمره، ووطن يتحول من أرض للأحلام إلى أرض للدمار، ولهذا، فلا تجعلوا أصوات الحرب تغطي على صوت العقل، ولا تجعلوا الغضب يدفعنا إلى طريق لا يعرف أحد نهايته.

افرحوا بمصر، وافرحوا بأن الله أنعم على رجالها بالحكمة والبصيرة، وأنهم لا يسعون إلى الخراب ولا يتمنون الحرب، وإنما يحاولون أن يحافظوا على وطنهم وشعبهم، وأن يجنبوا مصر والمنطقة ويلات الصراعات التي لا يعرف أحد أين تنتهي.

فالقوة الحقيقية ليست أن تبحث عن المعركة، وإنما أن تمتلك القدرة على خوضها عندما تُفرض عليك، وأن تعرف متى تستخدم قوتك، ومتى يكون السلام هو الانتصار الحقيقي.
مصر التي اختارت البناء لم تختر الضعف، ومصر التي تسعى إلى السلام لا تعني أنها عاجزة عن الدفاع عن نفسها، فإذا كُتب علينا يومًا أن ندافع عن وطننا وأرضنا وكرامتنا، فلن نتردد، وسندافع بكل ما أوتينا من قوة، وسنقف خلف وطننا صفًا واحدًا؛ لأن السلام اختيار، أما حماية الوطن فواجب.

إن أعظم درس في التاريخ أن من امتلك القوة وظن أنها ملكه المطلق، بدأ طريقه نحو الطغيان، ومن ظن أن الدنيا دائمة له، نسي أن الأيام دول.

أما من امتلك القوة ووضعها في خدمة وطنه، واستخدم الحكمة قبل السلاح، وحافظ على السلام دون أن يتنازل عن حقه في الدفاع عن أرضه، فقد عرف معنى القوة الحقيقي.
فالقوة ليست في إشعال الحروب.

القوة أن تستطيع الحرب، ولكنك تختار السلام، والحكمة ليست في الخوف من المواجهة.. الحكمة أن تعرف متى تكون المواجهة ضرورة، ومتى يكون السلام انتصارًا.

حفظ الله مصر، وحفظ أرضها وشعبها، وألهم قيادتها دائمًا الحكمة والبصيرة، وأبعد عنها وعن أهلها نار الحروب والفتن.
فالملك لله، والقوة أمانة، والسلام حكمة، والوطن عهد لا يُفرّط فيه.

Exit mobile version