لم تكن الخرائط السياسية عبر التاريخ مجرد خطوط ترسمها الجغرافيا على الورق.. بل كانت دائمًا نتاج صراعات كُبرى وأحلام قوة وأوهام هيمنة ظنت أنها قادرة على إعادة تشكيل العالم وفق إرادتها.. واليوم ونحن نتابع ما يجري في الشرق الأوسط من حروب واضطرابات وتحولات متسارعة، يبدو المشهد وكأنه فصل جديد من فصول التاريخ الطويل لصعود القوى العظمى وسقوطها.
فليس سرًا أن بعض الكتابات الغربية تحدثت منذ عقود عن إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، وكان من أبرزها ما طرحه المؤرخ البريطاني Bernard Lewis حول تصور لشرق أوسط جديد يعاد فيه ترتيب الحدود وموازين القوى، وقد وجدت هذه الأفكار صداها في بعض الدوائر السياسية الإسرائيلية، خصوصًا في ظل الرؤى التي عبّر عنها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن مستقبل المنطقة.
لقد بدأت الحركة الصهيونية منذ أواخر القرن التاسع عشر بحلم سياسي واضح المعالم، عندما أعلن مؤسسها Theodor Herzl أن إقامة وطن قومي لليهود ليست حلمًا مستحيلًا بل مشروعًا يمكن تحقيقه خلال عقود قليلة، ولم تمض سنوات طويلة حتى صدر قرار تقسيم فلسطين عن United Nations عام United Nations Partition Plan for Palestine، وهو القرار الذي مهد لقيام دولة إسرائيل.
غير أن التاريخ يعلمنا أن المشاريع الكبرى لا تتوقف عند حدودها الأولى، بل تسعى دائمًا إلى توسيع نفوذها وترسيخ قوتها في محيطها الإقليمي. ومن هنا يمكن قراءة كثير من التحولات التي تشهدها المنطقة اليوم بوصفها جزءًا من صراع أوسع على النفوذ والهيمنة.
لكن أخطر ما في هذه المشاريع ليس قوتها العسكرية وحدها، بل الأيديولوجيا التي تبرر التوسع وتمنحه شرعية أخلاقية أو دينية، وهنا تبرز المقارنة التاريخية التي لا يمكن تجاهلها.
ففي ثلاثينيات القرن الماضي ظهرت ألمانيا النازية بقيادة Adolf Hitler، وهي دولة قامت على فكرة التفوق العرقي وحق الأمة الألمانية في التوسع والسيطرة على أوروبا، وقد بدت تلك الدولة في بداياتها قوة لا يمكن إيقافها، خصوصًا بعد نجاحها في تحقيق انتصارات عسكرية متتالية في السنوات الأولى من World War II.
لكن تلك القوة التي بدت يومًا وكأنها قادرة على السيطرة على العالم انتهت إلى سقوط مدوٍ عام 1945، بعد أن قادت العالم إلى واحدة من أعظم الكوارث في تاريخه.
ولم تكن النازية وحدها المثال على ذلك. فقد شهد القرن العشرون سقوط إمبراطوريات كبرى كانت تبدو راسخة في التاريخ. فالإمبراطورية البريطانية التي كانت توصف يومًا بأنها الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس تراجعت بعد الحرب العالمية الثانية، بينما جاء انهيار Soviet Union عام Dissolution of the Soviet Union ليؤكد أن القوة مهما بلغت عظمتها ليست أبدية.
ولعل التاريخ يقدم مثالًا أقدم وأكثر دلالة على هذه الحقيقة، وهو ما حدث مع Roman Empire التي سيطرت لقرون طويلة على معظم العالم المعروف آنذاك. فقد امتدت حدودها من أوروبا الغربية إلى مشارف الشرق، ومن شمال أفريقيا إلى قلب القارة الأوروبية، حتى ظن كثيرون أن تلك الإمبراطورية بلغت من القوة ما يجعلها خالدة في التاريخ.
غير أن مسيرة القوة لم تكن أبدية؛ فقد بدأت عوامل الضعف تتسلل إلى جسد الإمبراطورية تدريجيًا، من التوسع المفرط والصراعات الداخلية إلى الضغوط الاقتصادية وتراجع الانضباط السياسي. ومع مرور الزمن أصبحت تلك الإمبراطورية العملاقة عاجزة عن السيطرة على أطرافها الواسعة، حتى انتهى الأمر بسقوط القسم الغربي منها في Fall of the Western Roman Empire.
إن هذا الدرس التاريخي يكشف حقيقة لا تتغير: فالقوى التي تبلغ ذروة مجدها غالبًا ما تبدأ من تلك اللحظة رحلة التراجع، خصوصًا عندما تتوهم أن تفوقها العسكري أو الاقتصادي كفيل بضمان بقائها إلى الأبد.
وفي ضوء هذه الدروس التاريخية يمكن قراءة ما يجري اليوم في الشرق الأوسط باعتباره جزءًا من محاولة لإعادة تشكيل المنطقة وفق رؤية استراتيجية أوسع. فالعلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل لم تعد مجرد تحالف تقليدي، بل أصبحت جزءًا من منظومة مصالح استراتيجية تسعى إلى الحفاظ على النفوذ الغربي في واحدة من أهم مناطق العالم من حيث الموقع الجغرافي وموارد الطاقة.
ومن هنا ظهر مفهوم «الفوضى الخلاقة» الذي تحدثت عنه وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة Condoleezza Rice، وهو مفهوم يقوم على فكرة أن إعادة تشكيل المنطقة قد تمر أولًا بمرحلة من الاضطراب وعدم الاستقرار قبل أن تستقر على توازنات جديدة.
غير أن المفارقة الكبرى أن القوى الإقليمية نفسها كثيرًا ما تدخل في صراعات تزيد من تعقيد المشهد. فالتنافس الإقليمي والصراعات الأيديولوجية والطموحات الجيوسياسية كلها عوامل تجعل الشرق الأوسط اليوم أشبه برقعة شطرنج تتحرك عليها قوى متعددة في آن واحد.
ومع تعدد ساحات الصراع، من الخليج إلى شرق المتوسط، ومن فلسطين إلى الممرات البحرية الدولية، يبدو واضحًا أننا أمام مرحلة فاصلة في تاريخ المنطقة.
لكن التاريخ يعلمنا أيضًا أن الأمم العريقة لا تختفي بسهولة من مسرح الأحداث. فالدول التي تمتلك عمقًا حضاريًا وقوة مؤسسية وشعبًا واعيًا تستطيع أن تعبر أكثر اللحظات اضطرابًا.
ومن هنا فإن مصر – الكنانة – تبقى أحد أعمدة التوازن في هذه المنطقة المضطربة. فالتاريخ الطويل للدولة المصرية أثبت مرارًا أنها قادرة على الصمود أمام العواصف، وأن قوتها الحقيقية لا تكمن فقط في قدراتها العسكرية، بل في عمقها الحضاري ووعي شعبها وصلابة مؤسساتها.
إن ما يجري اليوم قد يكون فصلًا جديدًا من فصول إعادة تشكيل الشرق الأوسط، لكنه بالتأكيد لن يكون نهاية التاريخ كما يتصور البعض. فالقوى التي تتوهم الهيمنة المطلقة تنسى دائمًا أن التاريخ لا يعترف بالخلود السياسي.
لقد سقطت إمبراطوريات ظنت أنها تحكم العالم إلى الأبد، وانهارت قوى عظمى امتلكت من أدوات القوة ما جعلها تبدو عصية على السقوط. ويبقى الدرس الأكبر أن القوة التي تتجاوز حدود الحكمة تتحول في النهاية إلى بداية طريق الانحدار.
وهكذا يبقى التاريخ، في نهاية المطاف، هو الحكم الأخير بين الأمم.

